فصل: ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 سنة تسع وثمانين ومائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ شخوص الرشيد إلى الري

وسبب ذلك‏:‏ أن الرشيد كان قد استشار يحيى بن خالد في توليه خراسان علي بن عيسى بن ماهان فأشار عليه أن لا يفعل فخالفه وولاه إياها فلما شخص علي بن عيسى ظلم الناس وعسفهم وجمع مالًا جليلًا ووجه إلى هارون بهدايا لم ير مثلها قط من الخيل والرقيق والثياب والنساء والأموال فقعد هارون بالشماسية على دكان مرتفع حين وصلت إليه تلك الهدايا وأحضرت فعرضت عليه فعظمت في عينه وكان إلى جانبه يحيى بن خالد فقال له‏:‏ يا أبا علي هذا الذي أشرت علينا أن لا نوليه هذا الثغر فخالفناك فيه وكان في خلافك البركة ‏.‏

وهو كالمازح معه إذ ذاك فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك أنا وإن كنت أحب أن أصيب في رأي وأوافق في مشورتي فأنا أحب أن يكون رأي أمير المؤمنين أعلى وفراسته أثقب وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما تكره ‏.‏

قال‏:‏ وما ذاك ‏.‏

قال‏:‏ إني أحسب أن أكثر هذا أخذ ظلمًا ‏.‏

فوقر ذلك في نفس الرشيد فلما عاث علي بن عيسى بخراسان ووتر أشرافها وأخذ أموالهم واستخف برجالهم شكى الناس سوء سيرته وسألوا أمير المؤمنين أن يبدّلهم من أحب من كفاءته فدعا يحيى بن خالد فشاوره في أمر علي بن عيسى وفي صرفه وقال‏:‏ أشر عليَّ برجل ترضاه لذلك الثغر يُصلح ما أفسد ذلك الفاسق ويرتق ما فتق ‏.‏

فأشار عليه بيزيد بن مزيد فلم يقبل ‏.‏

وكان قد قيل للرشيد أن علي بن عيسى قد أجمع على خلافك فشخص إلى الري من أجل ذلك عند منصرفه من مكة فعسكر بالنهروان لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى ومعه ابناه‏:‏ المأمون والقاسم فلما صار بقرميسين أشخص إليه جماعة من القضاة وغيرهم وأشهدهم عليه أن جميع ماله في عسكره ذلك من الأموال والخزائن والسلاح والكراع وما سوى ذلك للمأمون وأنه ليس له فيه قليل ولا كثير وجدد البيعة له على من كان معه ووجه هرثمة بن أعين صاحب حرسه إلى بغداد فأخذ البيعة على الأمين ثم مضى الرشيد عند انصراف هرثمة إلى الري وأقام بها نحوًا من أربعة أشهر حتى قدم عليه علي بن عيسى من خراسان بالأموال والهدايا والطُّرف والمتاع والمسك والجوهر وآنية الذهب والفضة والسلاح والدواب وأهدى بعد ذلك إلى جميع من كان معه من أهل بيته وخدمه على طبقاتهم فرأى منه خلاف ما كان ظن به وغير ما كان يقال عنه فرضي عنه وردِه إلى خراسان فخرج وهو مشيع له ‏.‏

وقدم خزيمة بن خازم على الرشيد الري فأهدى له هدايا كثيرة ‏.‏

وفيها‏:‏ ولى الرشيد عبد اللّه بن مالك طبرستان والريّ والرُّويان دنْباوند وقُومِس وهَمَدان ‏.‏

وولى عيسى بن جعفر بن سليمان عمان فقطع البحر فافتتح حصنين وعاد الرشيد إلى بغداد فدخلها لليلتين بقيتا من ذي الحجة وقال‏:‏ واللّه إني لأطوي مدينة ما وضعت مدينة بشرق ولا غرب وما رأيت مدينة أيمن منها ولا أيسر وإنها لوطني ووطن آبائي ودار مملكة بني العباس ما بقوا وما رأى أحط من آبائي سوءًا ولا نكبةً ولا شرًا ولنعم الدار هي ولكني أريد المناخ على ناحيتها أهل الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى ولولا ذلك ما فارقت بغداد ما حييت ولا خرجت عنها أبدًا ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ كان الفداء بين المسلمين والروم فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به ‏.‏

فقال مؤمل بن جميل بن يحيى بن أبي حفصة ابن عم مروان بن أبي حفصة من قصيدة‏:‏

وفُكتْ بِكَ الأسرَى التي شُيدَتْ لها ** محابِسُ ما فيها حَمِيمٌ يَزورُها

على حِين أعيا المسلمينَ فِكاكُها ** وقالوا‏:‏ سُجُون المُشرِكينَ قبورُها

وفي هذه السنة‏:‏ رابط القاسم بدابق ‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ‏.‏

إسحاق بن عبد الرحمن بن المغيرة بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري ‏.‏

من أهل المدينة سكن بغداد وكان له قدر عند الخلفاء والأمراء وأبوه عبد الرحمن كان يقال له‏:‏ عزيز وكان إسحاق في صحابة المهدي والهادي والرشيد وهلك في خلافته وكان موصوفًا بالصفاء والجود حتى قال الشاعر الهيصبي فيه ولأخيه يعقوب‏:‏ نفى الجوع عن بغداد إسحاق ذو الندى كما قد نفى جوع الحجاز أخوه ومايك من خير أتوه فإنما فعالُ غُرَيْرٍ قبلهم وَرثوهُ فأقسم لو ضافَ الغُرَيْريَّ بغَتَة جميع بني حواء ماحفلوه هو البحر بل لو حل بالبحر وفده ومن يجتديه ساعة نزَفوه أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ أخبرنا علي بن أبي علي حدَّثنا محمد بن عبد الرحمن وأحمد بن عبد اللّه قالا‏:‏ حدَّثنا أحمد بن سليمان الطوسي حدثنا الزبير حدَّثنا أبو عزية محمد بن موسى الأنصاري قال‏:‏ كان إسحاق بن غرير معجبًا بعبادة جارية المهلبية وكانت الجارية منقطعة إلى الخيزران أم المؤمنين وهي ذات منزلة عندها قال‏:‏ فركب يومًا عبد الله بن مصعب بن الزبير وإسحاق بن غرير إلى المهدي وكانا يأتيانه في كل عشية إذا صلى الناس العصر فيقيمان معه إلى أن ينقضي سمره فلقيا يومًا عبادة في طريقهما فقال إسحاق بن غرير لعبد الله بن مصعب‏:‏ يا أبا بكر هذه عبادة التي كنت تسمعني أذكرها ‏.‏

وركض دابته حتى استقبلها فنظر إليها ثم رجع ‏.‏

فضحك عبد الله بن مصعب مما صنع ‏.‏

ثم مضيا فدخلا على أمير المؤمنين المهدي فحدثه عبد الله بن مصعب حديث إسحاق بن غرير وعبادة وما كان منه في أمرها تلك العشية فقال لإسحاق‏:‏ أنا أشتريها لك ‏.‏

وقام فدخل على الخيزران فقال‏:‏ أين المهلبية فأمرت بها فدعيت له فقال لها‏:‏ أتبيعيني عبادة بخمسين ألف درهم فقالت‏:‏ يا سيدي إن كنت تريدها لنفسك فبها - فَداك اللّه - فقال‏:‏ إنما أريدها لإسحاق بن غرير ‏.‏

فبكت وقالت‏:‏ يدي ورجلي ولساني في حوائجي تنزعها مني لإسحاق بن غرير ‏.‏

فقالت الخيزران‏:‏ ما يبكيك لا يقدر واللّه إسحاق عليها ‏.‏

وقالت للمهدي‏:‏ صار ابن غرير يتعشق جواري الناس ‏.‏

فخرج المهدي فأخبر إسحاق الخبر وأمر له بخمسين ألف درهم فأخذها فقال في ذلك أبو العتاهية‏:‏ من صدق الحُب لأحبابه فإِن حب ابن غُرَيرٍ غُرور أنساهُ عبَّادة ذات الهوى وأذهل الحُبَّ لديه الضمير خمسون ألفًا كلها وازن خشن لها في كل كيس صرير وقال أبو العتاهية في ذلك أيضًا‏:‏ حبكَ المال لا كحبكَ عبَّا دةَ يا فاضح المحبينَا أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني أحمد بن محمد بن أحمد الكاتب قال‏:‏ حدَّثني جدي محمد بن عبيد الله بن قفرجل حدَّثنا محمد بن يحيى النديم قال‏:‏ أنشدنا أحمد بن يحيى قال‏:‏ أنشدني الزبير لمنكف - وهو من ولد زهير بن أبي سلمى - يرثي إسحاق بن غرير‏:‏

بكت العيونُ فأقْرَحَتْ أجفانَها ** عَبَراَتها جَزَعًا على إسحاق

فلئِن بكت جَزَعًا عليه فقد بكت ** حزنًا عليه مكارمُ الأخلاق

يَاخَير َمن بكتِ المكارمُ فقْده ** لم يبق بعدَكَ للمكارِم باق

لو طافَ في شرقِ البلاد ** وغربها لم يَلْقَ إلا حامدًا للاقي

ما بثَّ من كرم الطبائع ليلة ** إلا لِعرْضِك من نوالك واق

بَخِلَتْ بما حوت الأكفُّ وإنما ** خَلَق الإلهُ يدَيْك للإنفاق

الزبير بن خُبَيْب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير بن العوام الأسدي سمع محمد بن عباد ‏.‏

وروى عنه معن بن عيسى وكان من الفضلاء العُبَّاد قدم بغداد مرتين إحداهما في زمن المهدي والأخرى في زمن الرشيد ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال‏:‏ أخبرني الأزهري حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن حدَّثنا أحمد بن سليمان الطوسي حدثنا الزبير بن بكار قال‏:‏ حدثني مصعب بن عبد اللّه قال‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ قال لي أمير المؤمنين هارون الرشيد‏:‏ دلني على رجل من أهل المدينة من قريش له فضل منقطع ‏.‏

قال‏:‏ قلت‏:‏ عمارة بن حمزة بن عبد اللّه ‏.‏

قال‏:‏ فأين أنتَ عن ابن عمك الزبير بن خبيب ‏.‏

قال‏:‏ قلت له‏:‏ إنما سألتني عن الناس ولو سألتني عن أسطوان من أساطين المسجد قلت لك الزبير بن خبيب ‏.‏

توفي الزبير بوادي القرى في ضيعة له وهو ابن أربع وسبعين سنة ‏.‏

سعيد بن سليمان بن نوفل بن إسحاق المديني ‏.‏

ولي قضاء المدينة في خلافة المهدي ووفد على الرشيد وكان شديد المذهب حسن الطريقة ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب أخبرنا الأزهري أخبرنا أحمد بن إبراهيم حدثنا أحمد بن سليمان الطوسي حدِّثنا الزبير بن بكار قال‏:‏ حدَّثني نوفل بن ميمون قال‏:‏ جاء سعيد بن سليمان إلى محمد بن عبد الله بن محمد بن عمران شاهدًا فرد شهادته فلما ولي القضاء جاءه عبد اللّه بن محمد بن عمران شاهدًا فأخذ شهادته فنظر فيها ساعة ثم رفع رأسه وقال‏:‏ المؤمن لا يشفي غيظه أوقع شهادته يا ابن دينار فأوقعها ‏.‏

ولد سنة أربع عشرة ومائة ‏.‏

سمع يحيى بن سعيد الأنصاري وسليمان التيمي والأعمش روى عنه‏:‏ أحمد بن حنبل وكان سفيان يقول‏:‏ هو رجل صالح وكان ينقم عليه خروجه مع إبراهيم ابن عبد الله بن حسن فهجره لذلك وقال يحيى‏:‏ هو ثقة ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب أخبرنا أحمد بن رزق الله أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق أخبرنا محمد بن أحمد بن البراء حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال‏:‏ دخلت على أبي خالد الأحمر عند موته وهو يقول‏:‏ يا نفس اخرجي والله لخروجك أحب إلي من بقائك في بدني توفي في هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة تسعين ‏.‏

عبد اللّه بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبد اللّه أبو محمد التيمي ‏.‏

من أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاَّه هارون الرشيد قضاء المدينة ثم صرفه وولاه مكة ثم صرفه ورده إلى قضاء المدينة ثم عزله فقدم بغداد وأقام في ناحية الرشيد ثم سافر معه إلى الري فمات بها في هذه السنة ‏.‏

علي بن حمزة بن عبد اللّه أبو الحسن الأسدي المعروف بالكسائي النحوي ‏.‏

أحد أئمة القراء من أهل الكوفة استوطن بغداد وعلم الرشيد ثم الأمين بعده وكان قد قرأ على حمزة الزيات فأقرأ ببغداد زمانًا بقراءة حمزة ثم اختار لنفسه قراءة فأقرأ بها الناس ‏.‏

وروى عنه‏:‏ الفراء وأبو عبيد ‏.‏

وقال الشافعي‏:‏ مَنْ أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن أخبرنا أحمد بن ثابت أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي أخبرنا محمد بن جعفر بن هارون التميمي حدثنا أبو علي الحسن بن داود حدثنا أبو جعفر عقدة حدثنا أبو يزيد الوضاحي قال‏:‏ قال لي الفراء‏:‏ إنما تعلم الكسائي النحو على الكبر وكان سبب تعلمه‏:‏ أنه جاء يومًا وقد مشى حتى أعي فجلس إلى الهبارين فقال‏:‏ قد عييت ‏.‏

فقالوا له‏:‏ أتجالسنا وأنت تلحن‏!‏ فقال‏:‏ كيف لحنت فقالوا له‏:‏ إن كنت أردت من التعب فقل أعييت وإن كنت أردت من انقطاع الحيلة والتدبير والتحير في الأمر فقل‏:‏ عييت - مخففة فأنف من هذه الكلمة وقام من فوره وسأل عمن يعلم النحو ‏.‏

فأرشدوه إلى معاذ الهرا فلزمه حتى أنفذ ما عنده ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل وجلس في حلقته فقال له رجل من الأعراب‏:‏ تركت أسد الكوفة وتميمها وعندها الفصاحة وجئت إلى البصرة فقال للخليل‏:‏ من أين أخذت علمك هذا فقال‏:‏ من بوادي الحجاز ونجد وتهامة ‏.‏

فخرج ورجع وقد أنفذ بخمس عشرة قنينة حبرًا في الكتابة عن العرب سوى ما حفظه ولم يكن له همة غير البصرة والخليل فوجد الخليل قد مات وقد جلس موضعه يونس النحوي فمرت بينهم مسائل أقر له يونس فيها وصدره قال مؤلف الكتاب رحمه الله‏:‏ وفي تسميته بالكسائي قولان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه أحرم في كساء ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن أخبرنا أحمد بن علي أنبأنا علي بن أحمد بن عمر المقرىء أخبرنا عبد الواحد عمر بن محمد بن أبي هاشم حدَّثني محمد بن سليمان بن محبوب حدَّثنا أبو عبد الرحمن البصري مردويه حدِّثنا علي بن عبد الله المدني حدَّثنا عبد الرحيم بن موسى قال‏:‏ قلت للكسائي‏:‏ لِمَ سُمِّيت الكسائي قال‏:‏ لأني أحرمت في كساء ‏.‏

القول الثاني‏:‏ أخبرنا به أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت أخبرنا محمد بن علي الصوري أخبرنا أبو الحسن عبيد اللّه بن القاسم القاضي حدَّثنا علي بن محمد الحراني حدَّثنا أبو بكر محمد بن يحيى بن سليمان المروزي قال سألت خلف بن هشام‏:‏ لِمَ سُمِّيَ الكسائي كسائيًا قال‏:‏ دخل الكسائي الكوفة فجاء إلى مسجد السّبيع وكان حمزة بن حبيب الزيات يقرىء فيه فتقدم الكسائي مع أذان الفجر وهو ملتف بكساء فرمقه القوم بأبصارهم فقالوا‏:‏ إن كان حائكًا فسيقرأ سور يوسف وإن كان ملاحًا فسيقرأ سورة طه فسمع فابتدأ بسورة يوسف فلما بلغ قصة الذئب قرأ‏:‏ ‏{‏فأكله الذئب‏}‏ بغير همز فقال له حمزة‏:‏ الذئب بالهمز ‏.‏

فقال الكسائي‏:‏ وكذلك أهمز الحوت فالتقمه الحؤت ‏.‏

قال‏:‏ لا ‏.‏

قال‏:‏ فلِمَ همزت الذئب ولم تهمز الحوت وهذا فأكله الذئب وهذا فالتقمه الحوت فرفع حمزة بصره إلى خلاد الأحول وكان أجمل غلمانه فتقدم إليه في جماعة من أهل المجلس فناظروه فلم يصنعوا شيئًا ‏.‏

فقالوا‏:‏ أفدنا يرحمك الله ‏.‏

فقال لهم الكسائي‏:‏ تفهموا عن الحائك تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب‏:‏ قد استذأب الرجل فلو قلت‏:‏ استذاب - بغير همز - لكنت إنما نسبته إلى الهزال تقول‏:‏ قد استذاب الرجل إذا استذاب شحمه - بغير همز - وإذا نسبته إلى الحوت تقول‏:‏ قد استحات الرجل أي كثر أكله لأن الحوت يأكل كثيرًا لا يجوز فيه الهمز فلتلك العلة همز الذئب ولم يهمز الحوت وفيه معنى آخر‏:‏ لا تسقط الهمزة من مفرده ولا من جمعه وأنشدهم‏:‏ أيها الذئب وابنه وأبوه أنت عندي من أذأب الضاريات قال‏:‏ فسمي الكسائي من ذلك اليوم ‏.‏

أخبرنا أبو منصور أخبرنا أحمد الخطيب حدثنا الحسين بن محمد أخو الخلال حدثنا الصاحب إسماعيل بن عباد أخبرنا عبد الله بن محمد الأيجي أخبرنا محمد بن الحسن الأزدي حدثنا أبو حاتم السجستاني قال‏:‏ وفد علينا عامل من أهل الكوفة لم أر فِي عمال السلطان بالبصرة أبرع منه فدخلت مسلمًا عليه فقال لي‏:‏ يا سجستاني مَنْ علماؤكم بالبصرة قلت‏:‏ الزيادي أعلمنا بعلم الأصمعي والمازني أعلمنا بالنحو وهلال الرأي أفقهنا والشاذكوني أعلمنا بالحديث وأنا رحمك الله انسب إلى علم القرآن وابن الكلبي من أكتبنا للشروط ‏.‏

قال‏:‏ فقال لكاتبه‏:‏ إذا كان غد فاجمعهم ‏.‏

قال‏:‏ فجمعنا فقال‏:‏ أيكم أبو عثمان المازني قال أبو عثمان‏:‏ ها أنا ذا يرحمك الله ‏.‏

قال‏:‏ هل يجزي في كفارة الظهار عتق عبد أعور قال المازني‏:‏ لست صاحب فقه أنا صاحب عربية ‏.‏

فقال‏:‏ يا زيادي كيف يكتب بين رجل وامرأة خالعها زوجها على الثلث من صداقها ‏.‏

قال‏:‏ ليس هذا من علمي هذا من علم هلال الرأي ‏.‏

قال‏:‏ يا هلال كم أسند ابن عون عن الحسن قال هذا ليس من علمي هذا من علم الشاذكوني ‏.‏

قال‏:‏ يا شاذكوني ‏{‏يثنون صدورهم‏}‏ قال‏:‏ ليس هذا من علمي هذا من علم أبي حاتم ‏.‏

قال‏:‏ يا أبا حاتم كيف تكتب إلى أمير المؤمنين كتابًا تصف فيه خصاصة أهل البصرة وما أصابهم في الثرمة وتسأله لهم النَظر والنظرة قال‏:‏ لست - رحمك الله - صاحب بلاغة وكتابة أنا صاحب قرآن ‏.‏

فقال‏:‏ ما أقبح الرجل يتعاطى العلم خمسين سنة لا يعرف إلا فنًا واحدًا حتى إذا سئل عن غيره لم يجل فيه ولم يمر ولكن عالمنا بالكوفة الكسائي لو سئل عن هذا كله أجاب ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الأصفهاني حدثنا جعفر الخالدي حدَّثنا ابن مسروق حدَّثنا سلمة بن عاصم قال‏:‏ قال الكسائي‏:‏ صليت بهارون الرشيد فاعجبتني قراءتي فغلطت في آية ما غلط فيها صبي قط أردت أن أقول‏:‏ لعلهم يرجعون فقلت‏:‏ لعلهم يرجعين فواللّه ما اجترأ هارون أن يقول لي أخطأت ولكنه لما سلمت قال لي‏:‏ يا كسائي أي لغة هذه قلت‏:‏ يا أمير المؤمنين قد يعثر الجواد ‏.‏

فقال‏:‏ أما هذا فنعم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن أخبرنا أبو بكر بن علي أخبرنا هلال بن الحسن أخبرنا ابن الجراح أخبرنا أبو بكر بن الأنباري قال‏:‏ قال لي الفراء‏:‏ لقيت الكسائي يومًا فرأيته كالباكي فقلت‏:‏ ما يبكيك فقال‏:‏ هذا الملك يحيى بن خالد يوجه إليّ فيحضرني فيسألني عن الشيء فإن أبطأت في الجواب لحقني منه عيب وإن بادرت لم آمن الزلل ‏.‏

قال‏:‏ فقلت - ممتحنًا له -‏:‏ يا أبا الحسن مَنْ يعترض عليك قل ما شئت فأنت الكسائي ‏.‏

فأخذ لسانه بيده فقال‏:‏ قطعه اللّه إن قلت ما لا أعلم ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب أخبرنا أحمد بن عبد الله الثابتي أخبرنا أحمد بن موسى القرشي أخبرنا محمد بن يحيى الصولي حدَّثنا عون بن محمد الكندي حدثنا سلمة بن عاصم قال‏:‏ حلفت أن لا أكلم عاميًا إلا بما يوافقه ويشبه كلامه فوقفت على نجار فقلت‏:‏ بكم هذان البابان فقال‏:‏ بسَلْحِتان يا مصفعان ‏.‏

توفي الكسائي في هذه السنة ‏.‏

هكذا ذكر ابن عرفة وابن كامل القاضي ‏.‏

وذكر ابن الأنباري أنه مات في سنة اثنتين وثمانين هو ومحمد بن الحسن فدفنهما الرشيد قال‏:‏ وبلغ الكسائي سبعين سنة ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب أخبرنا علي بن أحمد بن عمر المقرىء أخبرنا أبو بكر ابن مقسم حدثنا ابن فضلان حدثنا الكسائي الصغير حدثنا أبو مسحل قال‏:‏ رأيت الكسائي في النوم كأن وجهه البدر فقلت له‏:‏ ما فعل الله بك قال‏:‏ غفر لي بالقرآن فقلت‏:‏ ما فعل حمزة الزيات ‏.‏

قال‏:‏ ذاك في عليين ما نراه إلا كما نرى الكوكب الدري ‏.‏

محمد بن الحسن بن فرقد أبو عبد اللّه الشيباني مولاهم صاحب أبي حنيفة ‏.‏

أصله دمشقي من قرية هناك قدم أبوه العراق فولد محمد بواسط في سنة اثنتين وثلاثين ونشأ بالكوفة وسمع العلم بها من أبي حنيفة ومسعر والثوري وعمر بن ذر ومالك بن مغول وكتب عن مالك بن أنس رضي الله عنهما والأوزاعي وأبي يوسف القاضي ‏.‏

سكن بغداد وحدَّث بها وغلب عليه الرأي وبلغ فيه الغاية ‏.‏

وروى عنه‏:‏ الشافعي وأبو عبيد وجماعة ‏.‏

وخرج إلى الرقة والرشيد بها فولاه قضاء الرقة ثم عزله فقدم بغداد فلما خرج الرشيد إلى الري خرج معه فمات بالري ‏.‏

وكان يقول‏:‏ ترك أبي ثلاثين ألف درهم فأنفقت خمسة عشر ألفًا وكان يقول لأهله‏:‏ لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا تشغلوا قلبي وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي فإنه أقل لِهمّي وأفرغ لقلبي ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي الحافظ أخبرنا رضوان بن محمد الدينوري قال‏:‏ سمعت الحسين بن جعفر العنزي يقول‏:‏ سمعت أبا بكر بن المنذر يقول‏:‏ سمعت المزني يقول‏:‏ سمعت الشافعي يقول‏:‏ ما رأيت سمينًا أخف روحًا من محمد بن الحسن وما رأيت أفصح منه كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن أنزل بلغته ‏.‏

وفي رواية عن الشافعي‏:‏ أنه قال‏:‏ ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن وحملت عنه وقر بختي كتبًا ‏.‏

وقال رجل للشافعي‏:‏ في أي مسألة خالفك الفقهاء ‏.‏

فقال الشافعي‏:‏ وهل رأيت فقيهًا قط اللهم إلا أن يكون محمد بن الحسن فإنه كان يملأ العين والقلب ‏.‏

قال الطحاوي‏:‏ وكان الشافعي قد طلب من محمد بن الحسن كتاب السير فلم يجبه إلى الإعارة فكتب إليه‏:‏ قل للذي لم تر عين من رآه مثله حتى كأن من رآه قد رأى من قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله فوجه به إليه في الحال هدية لا عارية ‏.‏

وقال إبراهيم الحربي‏:‏ قلت لأحمد بن حنبل‏:‏ هذه المسائل الدقاق من أين لك قال‏:‏ من كتب محمد بن الحسن ‏.‏

قال أحمد‏:‏ وكان يذهب مذهب جهم ‏.‏

وكذلك قال أبو زرعة‏:‏ كان محمد بن الحسن جهميًا ‏.‏

قال نوح بن ميمون‏:‏ دعاني محمد بن الحسن إلى القول بخلق القرآن فأبيت عليه ‏.‏

أخبرنا أبو منصور أخبرنا أبو بكر الحافظ أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب قال‏:‏ سألت الدارقطني عن محمد بن الحسن فقال‏:‏ قال يحيى بن معين‏:‏ كذَاب ‏.‏

وقال فيه أحمد نحو هذا ‏.‏

وعندي لا يستحق الترك ‏.‏

وقال علي بن المديني‏:‏ محمد بن الحسن صدوق ‏.‏

توفي محمد بن الحسن بالري في صحبة الرشيد سنة تسع وثمانين ومائة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ‏.‏

قال أبو عمر الزاهد‏:‏ سمعت أحمد بن يحيى يقول‏:‏ توفي الكسائي ومحمد بن الحسن في يوم واحد فقال الرشيد‏:‏ دفنت اليوم اللغة والفقه ‏.‏

قال أبو عبد اللّه محمد بن يوسف بن درست‏:‏ مات محمد بن الحسن والكسائي في يوم واحد ومات معروف الكرخي في يوم واحد وأبو نواس ومات ابن دريد وأبو هاشم بن علي الجبائي في يوم واحد ومات الشبلي وعلي بن عيسى الوزير في يوم واحد ودفنا جميعًا بالخيزرانية ومات محمد بن داود الأصفهاني ويوسف بن يعقوب القاضي في يوم واحد ومات القاضيان أبو حسان الزيادي - وكان على قضاء الشرقية - والحسن بن الجعد - وكان على مدينة المنصور - في يوم واحد ومات أبو العتاهية والعباس بن الأحنف وإبراهيم الموصلي في يوم واحد‏.‏

يحيى بن يمان أبو زكريا العجلي كوفي سمع الثوري وروى عنه‏:‏ يحيى بن معين والحسن بن عرفة وكان صالحًا صدوقًا كثير الحفظ لكنه نسي فصار يغلط ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا علي بن محمد بن محمد المعدل أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق حدثنا الحسن بن عمر قال‏:‏ سمعت بشرًا يقول‏:‏ كنت جالسًا بين يدي يحيى بن يمان ‏.‏

قال‏:‏ فكنت أعجب من ثيابه وكان يعجب من ثيابي وذكر كثرة رقاع في جبة يحيى بن يمان ‏.‏

قال بشر‏:‏ فمرّ إنسان عليه بزة فقال‏:‏ ثيابك أحسن من ثيابي ‏.‏

قال بشر‏:‏ أراد أن يقويني ‏.‏

 ثم دخلت سنة تسعين ومائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ خروج رافع بن الليث بن نصر بن سيار بمسمرقند مخالفًا لهارون وخلعه إياه ونزعه يده من طاعته ‏.‏

وكان سبب ذلك‏:‏ أن يحيى بن الأشعثَ بن يحيى الطائي تزوَّج بنتًا لعمه أبي النعمان وكانت ذات يسار فأقام بمدينة السلام وتركها بسَمَرقند فلما طال مقامه بها ‏.‏

وبلغهما أنه قد اتخذ أمهاتِ أولاد التمست سببًا للتخلص منه وبلغ رافعًا خبرُها فطمع فيها وفي مالها فدسَّ إليها مَنْ قال لها‏:‏ إنه لا سبيل لها إلى التخلص من صاحبها إلا أن تشرك باللّه وتحضر لذلك قوما عدولًا وتكشف شعرها بين أيديهم ثم تتوب فتحل للأزواج ففعلت ذلك وتزوجها رافع ‏.‏

وبلغ ذلك يحيى بن الأشعث فرفع ذلك إلى الرشيد فكتب إلى علىِ بن عيسى يأمره أن يفرّق بينهما وأن يجلد رافعًا الحدِّ ويقيّده ويطيف به في مدينة سَمَرْقَنْد مقيدًا على حمار حتى يكون عظةً لمن يراه فدرأ عنه سليمان بن حميد الحد وحمَله على حمار مقيدًا حتى طلقها ثم حبسه فهرب من الحبْس ليلًا فلحق بعليّ بن عيسى ببلخ فطلب الأمان فلم يجبه علي إليه وهمّ بضرب عنقه فكلّمه فيه ابنه عيسى بن علي فأذن له في الانصراف إلى سمَرْقند فوثب بسليمان بن حميد عامل علي بن عيسي فقتله فوجه عليّ بن عيسى ابنه فمال الناس إلى سباع بن مسعدة فرأسوه عليهم فوثب على رافع فقيَّده فوثب بسباعٍ فقيدوه ورأسوا رافعًا وبايعوه وطابقه مَنْ وراء النهر ووافاه عيسى بن علي فلقيه رافع فهزمه فأخذ عليّ ابن عيسى في فرض الرجال والتأهب للحرب ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ قدم الرشيد من الري فأتى الرقة فبدأ بأم جعفر فظل عندها وأمر لها من الغد بستة آلاف ألف درهم وتخوت من الوشي وسلال من الزعفران وطرائف مما أهداه إليه علي بن عيسى بن ماهان ‏.‏

أخبرنا محمد بن ناصر أخبرنا أبو الغنائم بن الرسي أخبرنا الشريف أبو عبد اللّه محمد بن علي العلوي وأبو الفرج محمد بن أحمد بن علان الشاهد قالا‏:‏ أخبرنا القاضي أبو عبد اللّه محمد بن عبد الله النهرواني قال‏:‏ حدثني محمد بن الحسن السكوني حدَّثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي قال‏:‏ حدَّثني الزبير بن بكار قال‏:‏ حدَّثني عمي مصعب بن عبد اللّه قال‏:‏ كان عبيد الله بن ظبيان قاضي الرقة وكان الرشيد إذ ذاك بها فجاء إليه رجل فاستعدى إليه من أما بعد أبقى اللّه الأمير وحفظه وأتم نعمه عليه أتاني رجل فذكر أنه فلان بن فلان وأن له على الأمير أبقاه اللّه خمسمائة ألف درهم فإن رأى الأمير أبقاه الله أن يحضر هو مجلس الحكم أو يوكل وكيلًا يناظر خصمه فعل ‏.‏

ودفع الكتاب إلى الرجل فأتى باب عيسى فدفع الكتاب إلى حاجبه فأوصله إليه فقال له‏:‏ قل له‏:‏ كل هذا الكتاب ‏.‏

فرجع إلى القاضي فأخبره فكتب إليه‏:‏ أبقاك الله وحفظك وأمتع بك حضر رجل يقال له فلان بن فلان ذكر أن له عليك خمسمائة ألف درهم فصر معه إلى مجلس الحكم أو وكيلك إن شاء الله ‏.‏

ووجَّه الكتاب مع عونين من أعوانه فحضرا باب عيسى ودفعا الكتاب إليه فغضب ورمى به فانطلقا فأخبراه فكتب إليه‏:‏ حفظك الله وأبقاك وأمتع بك لا بد أن تصير أنت وخصمك إلى مجلس الحكم فإن أبيت أنهيت أمرك إلى أمير المؤمنين ‏.‏

ثم وجّه الكتاب مع رجلين من أصحابه فقعدا على باب عيسى حتى خرج فقاما إليه ودفعا إليه كتاب القاضي فلم يقرأه ورمى به فأبلغاه فختم قمطره وانصرف وقعد في بيته وبلغ الخبر إلى الرشيد فدعاه فسأله عن أمره فأخبره بالقصة حرفًا حرفًا فقال لإبراهيم بن عثمان‏:‏ صر إلى باب عيسى بن جعفر واختم أبوابه كلها ولا يخرجن أحد منها ولا يدخل إليه أحد حتى فأحاط إبراهيم بداره خمسين فارسًا وغلَّقت أبوابه فظن ابن عيسى أنه قد حدث بالرشيد أمر في قتله ولم يعلم ما سبب ذلك وجعل يكلم الأعوان من خلف الباب وارتفع الصياح من منزله بصراخ النساء فأمرهن أن يسكتن وقال لبعض غلمان إبراهيم‏:‏ ادع ليِ أبا إسحاق لأكلمه فأعلموه ما قال فجاء حتى صار إلى الباب فقال له عيسى‏:‏ ما حالنا فأخبره بخبر ابن ظبيان فأمر أن يحضر خمسمائة ألف درهم من ساعته وتدفع إلى الرجل فجاء إبراهيم إلى الرشيد ‏.‏

فأخبره فقال‏:‏ إذا قبض الرجل ماله أفتح عليه أبوابه ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ غزا الرشيد الصائفة - وهي بلاد الروم - في رجب واستخلف المأمون بالرقة وفوّض إليه الأمور وكتب إلى الآفاق بالسمع والطاعة ودفع إليه خاتم المنصور يتيَمن به وهو خاتم الخاصة ونقشه‏:‏ ‏"‏ الله ثقتي آمنت به ‏"‏ وفيها‏:‏ أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون ‏.‏

وفيها‏:‏ خرجت الروم إلى عين زَرْبة وكنيسة السّوْداء فأغارت وأسرت فاستنقذ أهل المصيصة ما أخذوا ‏.‏

وفيها‏:‏ فتح الرشيد هرقلة ‏.‏

وكان من خبر غزاة الرشيد أن الروم كانوا ملّكوا امرأة لم يكن بقي في زمانها من أهل المملكة غيرها فكانت تكتب إلى المهدي والهادي والرشيد بالتبجيل والتعظيم وتهدي لهم حتى بلغ ابنها فجاءه الملك دونها وعاث وأفسد وتغير على الرشيد فخافت على ملك الروم أن يذهب لعلمها بسطوة الرشيد فسملت عيني ابنها فبطل ملكه وعاد إليها فعظم ذلك عند أهل مملكتها وأبغضوها فخرج عليها نقفور - وكان كاتبها - فأعانوه وعضدوه وقام بأمر الملك وكتب إلى الرشيد‏:‏ من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك العرب أما بعد‏:‏ فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك وإني واضعك بغير ذلك الموضع وعامل على تطرق بلادك والهجوم على أمصارك أو تؤدي إلي ما كانت المرأة تؤدي إليك والسلام ‏.‏

فلما ورد الكتاب على الرشيد كتب جواب كتابه يقول‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم جوابك عندي ما تراه عيانًا لا ما تسمعه ‏.‏

وقد ذكرنا أنهم تكاتبوا نحو هذا في سنة سبع وثمانين فمشى الرشيد إلى بلاد الروم في مائة ألف وخمسة وثلاثين ألفًا من المرتزقة سوى الأتباع فدخل بلاد الروم فجعل يقتل ويسبي ويغنم ويعفي الآثار ويخرب الحصون حتى نزل على هرقلة وهي أوثق حصن وأمنعه فتحصن أهلها وكان لها خندق يطيف بها فلما ألح عليهم الرشيد بالسهام والمجانيق والعرادات ففتح الباب يومًا رجل منهم وخرج في أكمل زي وسلاح فنادى‏:‏ هل من مبارز قد طالت مرافقتكم إيانا فليبرز إلي منكم رجلان ثم لم يزل يزيد حتى بلغ عشرين فلم يجبه أحد فدخل وأغلق الباب وكان الرشيد نائمًا فلم يعلم بخبره إلا بعد انتباهه فغضب ولام خدمه إذ لم يعلموه فقيل له‏:‏ إن الامتناع عنه سيغريه ويطغيه وهو يخرج في غِدِ فيطلب مثل ما طلب فطالت على الرشيد ليلته انتظارًا له فإذا هو بالباب قد فتح وخرج طالبًا للبراز فجعل يدعي أنه يثبت لعشرين فقال الرشيد‏:‏ من له فابتدر جماعة من القواد كهزيمة وخزيمة فعزم على إخراج المطوعة بعضهم فضج المطوعة فإذا بعشرين منهم فقال قائلهم‏:‏ يا أمير المؤمنين قوادك مشهورون بالبأس ومتى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذلك وإن قتله العلج كانت وَصْمَةً على العسكر قبيحة ونحن عامة لا يرتفع لأحد منا صوت فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلًا من العامة فنخرجه إليه فإن ظفر علم أهل الحصن أن أمير المؤمنين ظفر بأعرفهم على يد رجل من العامة ليس ممن يؤمن قتله ولا يؤثر وإن قتل الرجل كان شهيدًا ولم يؤثر دمًا ‏.‏

فقال الرشيد‏:‏ قد استصوبت رأيكم فاختاروا رجلًا منكم فاختاروا رجلًا يقال له‏:‏ ابن الجزري وكان معروفًا بالبأس والنجدة فقال له الرشيد‏:‏ أتخرج قال‏:‏ نعم واستعين باللّه ‏.‏

فقال‏:‏ اعطوه فرسًا ورمحًا وسيفًَا وترسًا ‏.‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين أنا بفرسي أوثق ورمحي بيدي أشد ولكن قد قبلت السيف والترس فلبس سلاحه واستدناه الرشيد وودعه وأتبعه الدعاء وخرج معه عشرون من المطوعة فلما انقض في الوادي قال لهم العلج وهو يعدّهم واحدًا واحدًا إنما الشرط عشرون وقد زدتم رجَلًا ولكن لا بأس

فنادوه‏:‏ ليس يخرج إليك إلا رجل واحد ‏.‏

فلما فصل منهم ابن الجزري تلقاه الرجل الرومي وقد أشرف أكثر الناس من الحصن يتأملون صاحبهم والقرن حتى ظُنَ أنه لم يبق أحد في الحصن إلا أشرف فقال الرومي‏:‏ أتصدقني عما استخبرك ‏.‏

قال‏:‏ نعم قال‏:‏ أنت بالله ابن الجزري قال‏:‏ اللهم نعم ‏.‏

فكفَّر له ثم أخذا في شأنهما فاطعنا حتى طال الأمر بينهما وكان الفرسان يقومان ولم نجد من واحد منهما صاحبه ثم تجالدا بالسيوف وجعل ابن الجزري يضرب الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها فيتقيها الرومي وكان ترسه حديدًا فيسمع لذلك صوت منكر ويضربه الرومي ضرب مغدر لأن ترس ابن الجزري كان درقة فلما يئس كل واحد منهما من صاحبه انهزم ابن الجزري فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قط وعطعط المشركون ثم اتبعه العلج فالتفت ابن الجزري فرمى العلج بوهق فوقع في عنقه وركض إليه فاستلبه عن فرسه ثم عطف عليه فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه فكبر المسلمون وانخذل المشركون وبادروا الباب يغلقونه ‏.‏

وإنما كانت واتصل الخبر بالرشيد فقال للقوَّاد‏:‏ اجعلوا النار في المجانيق فتهافت السور ففتحوا الباب مستأمنين وصبت الأموال على ابن الجزري وقوّد فلم يقبل النقود وسأل أن يعفى ويترك بمكانه من الثغر فلم يزل به طول عمره ‏.‏

وكان فتح هرقلة في شوال وأخربها وسبى من أهلها ستة عشر ألفًَا فأقدمهم الرافقة فتولى بيعهم أبو البختري القاضي ‏.‏

ووجه الرشيد داود بن عيسى بن موسى سائحًا في أرض الرقة في سبعين ألفًَا ‏.‏

وافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودَيْسة ‏.‏

وافتتح يزيد بن مخلد الصّفْصاف ومقلونية ‏.‏

وولي حُمَيد بن مَعيوف ساحل بحر الشام إلى مِصْر فبلغ حُميد قبرس فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفًا وأقدمهم الرّافقة فتولّى بيعهم أبو البختريّ القاضي ‏.‏

وبعث نقفور بالخراج والجزية عن رأسه وولي عهده وبطارقته وسائر أهل بلده خمسين ألف دينار منها عن رأسه أربعة دنانير وعن رأس ولده دينارين ‏.‏

وكتب نقفور مع بطريقين من عظماء بطارقته في جارية من سبي هرقلة كتابًا نسخته‏:‏ لعبد اللّه هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم سلام عليك أما بعد‏:‏ أيها الملك إنّ لي حاجة لا تضرّك في دينك ولا دنياك هيّنة يسيرة أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة كنت خطَبتُها على ابني فإن رأيت أن تسعفني في حاجتي فعلت والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته ‏.‏

واستهداه أيضًا طيبًا وسُرادقًا فأمر الرشيد بطلب الجارية فاحضرَت وزُيِّنَتْ واجْلِسَتْ على فراش في مضربه الذي كان نازلًا فيه وسلمت الجارية والمضرب بما فيه من الآنية والمتاع إلى رسول نقفور وبعث إليه بما سأل من العطر وبعث إليه من التمور والزّبيب والأخبصة والترياق فسلَّم ذلك إليه رسول الرشيد فأعطاه نقْفور وقرْ برذون دراهم كان مبلغه خمسين ألف درهم ومائة ثوب ديباج ومائتي ثوب بُزْيون واثني عشر بازيًا وأربعة أكلب من كلاب الصّيد وثلاث براذين وكان نقفور اشترط ألا يخرّب ذا الكلاع ولا حمله ولا حصن سنان واشترط الرّشَيد عليه ألا يعمّر هرقلة وعلى أن يحمل نقفور ثلثماثة ألف دينار فقال أبو العتاهية في ذلك‏:‏ إمام الهدى أصبحت بالدين معنيّا وأصبحت تسقي كل مستمطر ريّا لك اسمان شُقا من رشاد ومن هدى فأنت الذي تدعى رشيدًا ومهديَّا إذا ما سخطت الشيء كان مسخطًا وإن ترض شيئًا كان في الناس مرضيٌا بسطت لنا شرقًا وغربًا يد العُلا فأوسعت شرقيًا وأوسعت غربيّا وأنت أمير المؤمنين فتى التقى نشرت من الإحسان ما كان مَطْوِيَّا تحلَّيت للدنيا وللدين بالرضا فأصبح نقفور لهارون ذميًّا وفيها‏:‏ خرج خارجيّ من عبد القيس يقال له سيف بن بكر فوجه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مزيد فقتله بعين النُّورَة ‏.‏

وفيها‏:‏ نقض أهل قُبرس العَهد فغزاهم معيوف وسبى أهلها ‏.‏

وفيها‏:‏ حج بالناس عيسى بن موسى الهادي ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أسد بن عمرو بن عامر أبو المنذر البجلي الكوفي صاحب أبي حنيفة ‏.‏

تفقه وسمع من حجاج بن أرطأة روى عنه‏:‏ أحمد بن حنبل وغيره كان قد ولي القضاء ببغداد وبواسط فأنكر من بصره شيئًا فرد القَمْطر واعتزل عن القضاء ‏.‏

وثقه يحيى وقال أحمد‏:‏ كان صدوقًا ‏.‏

وضعفه علي والبخارىِ وتوفي في هذه السنة ‏.‏

سمع من إسماعيل بن خالد والزبير بن عدي وحميد الطويل والثوري ‏.‏

روى عنه‏:‏ يحيى بن معين وأبو معمر الهذلي ‏.‏

وكان ثقة ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا محمد بن أحمد الصوَّاف حدَّثنا عبد اللّه بن أحمد قال‏:‏ حدِّثنا أبو معمر قال‏:‏ حدثنا حكام الرازي حدَّثنا جراح الكندي عن أبي إسحاق عن البراء قال‏:‏ لقد رأيت ثلثمائة من أهل بدر ما فيهم أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى توفي حكام بمكة في هذه السنة قبل أن يحج ‏.‏

سعدون المجنون ‏.‏

أخبرنا محمد بن أبي القاسم أخبرنا أحمد بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد اللّه الأصفهاني حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال‏:‏ قرىء على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى وأنا حاضرٌ قال‏:‏ سمعت يوسف يقول‏:‏ قال الفتح بن شخرف‏:‏ كان سعدون صاحب محبة للّه صام ستين سنة حتى خف دماغه فسمَاه الناس مجنونًا لتردد قوله في المحبة فغاب عنَا زمانًا فبينا أنا قائم على حلقة ذي النون رأيت عليه جبة صوف وعليها مكتوب‏:‏ لا تباع ولا تشترى فسمع كلام ذي النون فصرخ وأنشأ يقول‏:‏ أنبأنا محمد بن عبد الملك بن خيرون أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا رضوان بن محمد بن الدينوري حدَّثنا أحمد بن علي بن لال حدثنا مكي بن بندار الزنجاني حدَّثنا أبو علي الحسين بن عبد الله البلاذري حدثنا عبد العزيز بن قرة قال‏:‏ قال الأصمعي‏:‏ مررت بسعدون فإذا هو جالس عند رأس شيخ سكران يذب عنه ‏.‏

فقلت‏:‏ سعدون مالي أراك جالسًا عند رأس هذا الشيخ ‏.‏

فقال‏:‏ إنه مجنون فقلت له‏:‏ أنت المجنون أو هو قال‏:‏ لا بل هو ‏.‏

قلت‏:‏ من أين قلت ذلك قال‏:‏ لأني صليت الظهر والعصر جماعة وهو لم يصل جماعة ولا فرادى ‏.‏

قلت‏:‏ فهل قلت في ذلك شيئأ فقال‏:‏ تركت النبيذ لأهل النبيذ وأصبحت أشرب ماءً قراحا لأن النبيذ يذل العزيز ويكسو سواد الوجوه الصباحا فإن كان ذا جائزًا للشباب فما العذر فيه إذا الشيب لاحا فقلت له‏:‏ صدقت وانصرفت ‏.‏

عبد اللّه بن عمر بن غانم أبو عبد الرحمن الرُّعَينيُّ ولد سنة ثمان وعشرين ومائة ورحل في طلب العلم وروى عن مالك وغيره وهو أحد الثقات الأثبات ولي القضاء بإفريقية وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة سمع سعيد بن أبي عروبة وشعبة وهو بصري سكن بغداد وحدَّث بها فروى عنه أحمد وغيره ويحيى وأبو خيثمة وكان ثقة من المثبتين ‏.‏

توفي في هذه السنة ‏.‏

عبيدة بن حميد بن صهيب أبو عبد الرحمن التيمي ولد سنة سبع ومائة وسمع منصور بن المعتمر والأعمش ‏.‏

وروى عنه‏:‏ أحمد بن حنبل وكان كوفيًا فسكن بغداد إلى أن توفي بها في هذه السنة ‏.‏

وكان مؤدبًا للأمين وكان أحمد يثني عليه ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرني الأزهري حدَّثنا محمد بن العباس حدَّثنا أحمد بن معروف حدَّثنا الحسين بن الفهم أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ عبيدة بن حميد كان ثقة صالحًا صالح الحديث صاحب نحو وعربية وقراءة للقرآن وكان من أهل الكوفة فقدم بغداد أيام هارون الرشيد فصيره مع ابنه محمد فلم يزل معه حتى مات ‏.‏

عطاء بن مسلم أبو مخلد الخفاف الحلبي قدم بغداد وحدث عن الأعمش قال يحيى وأبو داود‏:‏ كان ثقة حدثنا القزاز أخبرنا الخطيب أخبرنا أبو حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم العبدوي أخبرنا محمد بن أحمد الغطريف العبدي حدثنا محمد بن مخلد حدثنا محمد بن الحسن بن نافع حدَّثنا محمد بن أبي سكينة قال‏:‏ دخلت على عطاء بن مسلم أعوده فما لبثت أن قمت فقال‏:‏ جزاك الله خيرًا من عائد لكن عيسى بن صالح لا جزاه الله خيرًا عادني فما برح حتى بلت في ثيابي توفي عطاء في رمضان هذه السنة‏.‏

يحيى بن خالد بن برمك أبو علي ‏.‏

كان المهدي قد ضم إليه هارون الرشيد وجعله في حجره فلما استخلف هارون عرف ليحيى حقه وكان يعظمه وإذا ذكره يقول‏:‏ قال أبي ‏.‏

وجعل إصدار الأمور وإيرادها إليه إلى أن نكب البرامكة فغضب عليه وخلده في الحبس إلى أن مات فيه وكان له الكلام الحسن والكرم الواسع فمن كلامه‏:‏ حاجب الرجل عامله على عرضه

وقال‏:‏ من بلغ رتبة تاه بها أخبر أن محله دونها ‏.‏

وقال‏:‏ يدل على كرم الرجل سودان غلمانه ‏.‏

وقال لابنه‏:‏ خذ من كل طرفًا فإن من جهل شيئًا عاد ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي أخبرنا الحسن بن محمد الخلال حدثنا أحمد بن محمد بن عمران أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى النديم قال‏:‏ قال يحيى بن خالد‏:‏ ثلاثة أشياء تدل على عقول أربابها‏:‏ الهدية والكتاب والرسول ‏.‏

وكان يقول لولده‏:‏ اكتبوا أحسن ما تسمعون واحفظوا أحسن ما تكتبون وتحدثوا بأحسن ما تحفظون ‏.‏

قال ابن عمران‏:‏ وحدَّثنا أبو عبد اللهّ الحكيم قال‏:‏ حدثني ميمون بن هارون قال‏:‏ حدَّثني علي بن عيسى قال‏:‏ كان يحيى بن خالد يقول‏:‏ إذا أقبلت الدنيا فأنفق فإنها لا تفنى وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد القزاز أخبرنا أبو سعيد السيرافي حدثنا محمد بن أبي الأزهر حدَّثنا الزبير بن بكار قال‏:‏ سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول‏:‏ كانت صِلات يحيى بن خالد إذا ركب لمن تعرض له بمائتي درهم فركب ذات يوم فعرض له أديب شاعر فقال‏:‏ ياسمي الحصور يحيى أتيحت لك من فضل ربنا جنتان كل من مر في الطريق عليكم فله من نوالكم مائتان مائتا درهم لمثلي قليل هي منكم للقابس العجلان قال يحيى‏:‏ صدقت ‏.‏

وأمر بحمله إلى داره فلما رجع من دار الخليفة سأله عن حاله فذكر أنه تزوج وأخذ بواحدة من ثلاث إما أن تؤدي المهر وهو أربعة آلاف درهم وإما أن يطلق وإما أن يقيم جاريًَا للمرأة ما يكفيها إلى أن يتهيأ له نقلها فأمر له يحيى بأربعة آلاف للمهر وأربعة آلاف لثمن منزل وأربعة آلاف لما يحتاج إليه المنزل وأربعة آلاف للبنية وأربعة آلاف يستظهر بها فأخذ عشرين ألف درهم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي الحافظ أخبرنا أحمد بن عمر النهرواني أخبرنا المعافى حدَّثنا محمد بن أحمد بن أبي الثلج حدَّثنا حسين بن فهم قال‏:‏ قال ابن الموصلي‏:‏ حدَّثني أبي قال‏:‏ أتيت يحيى بن خالد بن برمك فشكوت إليه ضيقة فقال‏:‏ ويحك‏!‏ ما أصنِع بك ليس عندنا في هذا الوقت شيء ولكن ها هنا أمر أدلك عليه فكن فيه رجلًا قد جاءني خليفة صاحب مصر يسألني أن أستهدي صاحبه شيئًَا وقد أبيت ذلك فألح عليّ وقد بلغني أنك أعطيت بجاريتك فلانة آلاف دنانير فهو ذا أستهديه إياها وأخبره أنها قد أعجبتني فإياك أن تنقصها من ثلاثين ألف دينار وانظر كيف يكون ‏.‏

قال‏:‏ فوالله ما شعرت إلا بالرجل قد وافاني فساومني بالجارية ‏.‏

فقلت‏:‏ لا أنقصها من ثلاثين ألف دينار فلم يزل يساومني حتى بذل لي عشرين ألف دينار فلما سمعتها ضعف قلبي عن ردها فبعتها وقبضت العشرين ألفًا وصرت إلى يحيى بن خالد فقال لي‏:‏ كيف صنعت في بيع جاريتك ‏.‏

فأخبرته وقلت‏:‏ والله ما ملكت نفسي أن أجبت إلى العشرين ألفًا حين سمعتها ‏.‏

فقال‏:‏ إنك لخسيس وهذا خليفة فارس قد جاءني في مثل هذا فخذ جاريتك فإذا ساومك بها فلا تنقصها من خمسين ألف دينار فإنه لا بد أن يشتريها منك بذلك ‏.‏

قال‏:‏ فجاءني الرجل فأسمت عليه خمسين ألف دينار فلم يزل يساومني حتى أعطاني ثلاثين ألف دينار فضعف قلبي عن ردها ولم أصدق بها فأوجبتها له بها ثم صرت إلى يحيى بن خالد فقال لي‏:‏ بكم بعت الجارية ‏.‏

فأخبرته فقال‏:‏ ويحك‏!‏ أما تؤدبك الأولى عن الثانية ‏.‏

قلت‏:‏ والله ضعف قلبي عن رد شيء لم أطمع فيه ‏.‏

فقال‏:‏ هذه جاريتك فخذها إليك ‏.‏

قال‏:‏ جارية أفدت بها خمسين ألف دينار ثم أملكها أشهدك أنها حرة وأني قد تزوجتها ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب‏:‏ وبلغنا أن الرشيد بعث صالحًا صاحب المصلى إلى منصور بن زياد يقول له‏:‏ قد وجب عليك عشرة آلاف درهم فاحملها إلي اليوم فإن فعل إلى ما قبل غروب الشمس وإلا فخذ رأسه وائتني به ولا تراجعني ‏.‏

قال صالح‏:‏ فخرجت إلى منصور فعرفته فقال‏:‏ ذهبت واللّه نفسي والله ما أتمكن من ثلثمائة ألف درهم فضلًا عن عشرة آلاف ألف ‏.‏

قال له صالح‏:‏ خذ فيما هو أعود عليك من هذا القول ‏.‏

فقال له‏:‏ تحملني إلى أهلي حتى أوصي ‏.‏

فلما دخل إليهم ارتفع صياح الحريم والجواري فقال لصالح‏:‏ امض بنا إلى يحيى بن خالد لعل الله أن يأتي بالفرج على يده ‏.‏

فمضى معه فدخل على يحيى وهو يبكي فقال‏:‏ ما لك ‏.‏

فقص عليه القصة فأطرق متفكرًا ثم دعى جارية فقال‏:‏ كم عندك من المال ‏.‏

قالت‏:‏ خمسة آلاف ألف درهم ‏.‏

فقال‏:‏ أعديها ثم وجه إلى الفضل فقال له‏:‏ يا بني كنت عرفتني أنك تريد أن تشتري ضيعة بألفي ألف درهم وقد وجدت لك ضيعة تغل السكر وتبقى الدهر فأنفذها إليَّ ‏.‏

فأنفذها وأرسل إلى جعفر فقال‏:‏ يا بني أبعث إليَّ بألف ألف درهم لحق لزمني ‏.‏

فبعث إليه ففكر ساعة ثم قال لخادم على رأسه‏:‏ ابعث إلى دنانير وقل لها هات العقد الذي وهبه لك أمير المؤمنين فأهديه ‏.‏

فقال‏:‏ هذا عقد أمير المؤمنين بمائة وعشرين ألف دينار ‏.‏

فوهبه لدنانير وقد قومناه عليك بألفي ألف درهم ليتم المال فخل عن صاحبنا ‏.‏

فأخذت ذلك ورددت منصورًا معي فلما صرنا إلى الباب تمثل منصور‏:‏ فما بقيا عليَّ تركتماني ولكن خفتما صرد النبال قال صالح‏:‏ فقلت في نفسي ما أحد أكرم من يحيى ولا أردأ طبعًا من هذا النبطي إذ لم يشكر من أحيا نفسه ‏.‏

وصرت إلى الرشيد فعرفته ما جرى إلا إنشاد البيت خوفًا عليه أن يقتله ‏.‏

فقال الرشيد‏:‏ قد علمت أنه لا يسلم إلا بأهل هذا البيت فاقبض المال واردد العقد فما كنت لأهب هبة ثم أرتجعها ‏.‏

قال صالح‏:‏ وحملني غيظي من منصور أن عرفت يحيى ما أنشد فأقبل يحيى يتحمل له بالغدر ويقول‏:‏ إن الخائف لا يُتقى له لب وربما نطق بما لا يعتقد فقلت‏:‏ واللّه لا أدري من أي فعليك أعجب من فعلك معه أومن اعتذارك عنه لكني أعلم أن الزمان لا يأتي بمثلك أبدًا ‏.‏

وكان يحيى بن خالد يجري على سفيان بن عيينة كل شهر ألف درهم فسمع سفيان يقول في سجوده‏:‏ اللهم إن يحيى كفاني أمر دنياي فاكفه بهم آخرته ‏.‏

فلما مات يحيى رآه بعض إخوانه في النوم فقال له‏:‏ ما فعل اللّه بك ‏.‏

قال‏:‏ غفر لي بدعوة سفيان ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي أخبرنا أحمد بن أبي جعفر الأخرم أخبرنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد الطوماري حدَّثنا المبرد قال‏:‏ حدَّثني محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك قال‏:‏ قال أبي لأبيه‏:‏ يحيى بن خالد بن برمك - وهم في القيود ولبس الصوف والحبس -‏:‏ يا أبت بعد الأمر والنهي والأموال العظيمة أصارنا الدهر إلى القيود ولبس الصوف والحبس فقال له أبوه‏:‏ يا بني دعوة مظلوم سرت بليل غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها ثم أنشأ يقول‏:‏ رب قوم قد غدوا في نعمةٍ زمنًا والدهر ريان غدق سكت الدهر زمانًا عنهم ثم أبكاهم دمًا حين نطق توفي يحيى في حبس الرشيد بالرافقة لثلاث خلون من محرم هذه السنة وهو ابن سبعين وصلى عليه ابنه الفضل ودفن على شاطىء الفرات في ربض هرثمة ووجد في جيبه رقعة حين مات مكتوب فيها بخطه‏:‏ قد تقدم الخصم والمدعى عليه بالأثر والقاضي هو الحكم العدل الذي لا يجور ولا يحتاج إلى بيّنة ‏.‏

فحملت الرقعة إلى الرشيد فلم يزل يبكي يومه وبقي أيامًا يتبين الأسى في وجهه ‏.‏